صديق الحسيني القنوجي البخاري
396
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقال قتادة : تباشروا به حين استخرجوه من البئر وهي ببيت المقدس معلوم مكانها . وَأَسَرُّوهُ أي أسر الوارد وأصحابه الذين كانوا معه يوسف عن بقية الرفقة فلم يظهروه لهم وقيل إنهم لم يخفوه ولكن أخفوا وجدانهم له في الجب وزعموا أنه دفعه إليهم أهل الماء ليبيعوه لهم بمصر . وقال مجاهد : أسره التجار بعضهم من بعض وقيل ضمير الفاعل في أسروه زخوة يوسف وضمير المفعول ليوسف وذلك أنه كان يأتيه أخوه يهوذا كل يوم بطعام فأتاه يوم خروجه من البئر فلم يجده فأخبر إخوته فأتوا الرفقة وقالوا هذا غلام أبق منا فاشتروه منهم وسكت يوسف مخافة أن يأخذوه فيقتلوه . وعن ابن عباس : يعني إخوة يوسف أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته ، واختار البيع فباعه إخوته بثمن بخس والأول أولى . بِضاعَةً أي أخفوه حال كونه بضاعة أي متاعا للتجارة والبضاعة ما يبضع من المال أي يقطع منه لأنها قطعة من المال الذي يتجر به قيل قاله لهم الوارد وأصحابه أنه بضاعة استبضعناها من الشام مخافة أن يشاركوهم فيه . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ أي بما يترتب على عملهم القبيح بحسب الظاهر من الإسرار والفوائد المنطوية تحت باطنه ، فإن هذا البلاء الذي فعلوه به كان سببا لوصوله إلى مصر ، وتنقله في أطوار حتى صار ملكها ، فرحم اللّه به العباد والبلاد خصوصا في سني القحط الذي وقع بها كما سيأتي ، قيل وفيه وعيد شديد لمن كان فعله سببا لما وقع فيه يوسف من المحن وما صار فيه من الابتذال يجري البيع والشراء فيه وهو « الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم » « 1 » كما قال نبينا صلى اللّه عليه وسلم في وصفه بذلك . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 20 ] وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ( 20 ) وَشَرَوْهُ يقال شراه بمعنى اشتراه وشراه بمعنى باعه والمراد هنا الثاني أي باعه الوارد وأصحابه أو اشتراه السيارة من إخوته بِثَمَنٍ بَخْسٍ ناقص أو زيف وقيل ظلم وقيل حرام لأن ثمن الحر حرام والحرام يسمى بخسا لأنه مبخوس البركة أي منقوصها فلم يحل لهم بيعه ولا أكل ثمنه قاله ابن عباس وقيل قليل دَراهِمَ بدل من ثمن أي لا دنانير مَعْدُودَةٍ قيل باعوه بعشرين درهما ، وقيل بأربعين درهما وفيه إشارة إلى أنها قليلة تعد ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون ما دون أوقية وهي أربعون درهما .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 19 ، والمناقب باب 13 ، وتفسير سورة 12 ، باب 1 ، والترمذي في تفسير سورة 12 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 2 / 96 ، 332 ، 416 .